ابن عبد الحكم
89
فتوح مصر والمغرب
إنما رغبتنا وهمّتنا الجهاد في اللّه واتباع رضوانه ، وليس غزونا عدوّنا ممّن حارب اللّه لرغبة في دنيا ، ولا طلبا للاستكثار منها ؛ إلا أن اللّه قد أحلّ ذلك لنا ، وجعل ما غنمنا من ذلك حلالا ، وما يبالي أحدنا أكان له قنطار من ذهب ، أم كان لا يملك إلّا درهما ! لأن غاية أحدنا من الدنيا أكلة يأكلها يسدّ بها جوعته لليله ونهاره ، وشملة يلتحفها ، فإن كان أحدنا لا يملك إلا ذلك كفاه ، وإن كان له قنطار من ذهب أنفقه في طاعة اللّه واقتصر على هذا الذي بيده ويبلغه ما كان في الدنيا ، لأن نعيم الدنيا ليس بنعيم ورخاءها ليس برخاء ، إنما النعيم والرخاء في الآخرة ، وبذلك أمرنا ربنا ، وأمرنا به نبيّنا ، وعهد إلينا ألا تكون همّة أحدنا من الدنيا إلا ما يمسك جوعته ، ويستر عورته ، وتكون همّته وشغله في رضا ربّه وجهاد عدوّه . فلما سمع المقوقس ذلك منه ، قال لمن حوله : هل سمعتم مثل كلام هذا الرجل قطّ ! لقد هبت منظره ، وإنّ قوله لأهيب عندي من منظره ؛ إنّ هذا وأصحابه أخرجهم اللّه لخراب الأرض ما أظنّ ملكهم إلا سيغلب على الأرض « 1 » كلّها . ثم أقبل المقوقس على عبادة بن الصامت ، فقال : أيّها الرجل الصالح ، قد سمعت مقالتك ، وما ذكرت عنك وعن أصحابك ، ولعمري ما بلغتم ما بلغتم إلا بما ذكرت ، وما ظهرتم على من ظهرتم عليه إلا لحبّهم الدنيا ورغبتهم فيها ، وقد توجّه إلينا لقتالكم من جمع الروم ما لا يحصى عدده قوم معروفون بالنجدة والشدّة ، ما يبالي أحدهم من لقى ، ولا من قاتل ، وإنّا لنعلم أنكم لن تقووا عليهم ، ولن تطيقوهم لضعفكم وقلّتكم ، وقد أقمتم بين أظهرنا أشهرا ، وأنتم في ضيق وشدّة من معاشكم وحالكم ، ونحن نرقّ عليكم لضعفكم وقلّتكم وقلّة ما بأيديكم ؛ ونحن تطيب أنفسنا أن نصالحكم على أن نفرض لكلّ رجل منكم دينارين دينارين ؛ ولأميركم مائة دينار ، ولخليفتكم ألف دينار ، فتقبضونها وتنصرفون إلى بلادكم قبل أن يغشاكم ما لا قوام لكم به * ) . « 2 » فقال عبادة بن الصامت : يا هذا ؛ لا تغرنّ نفسك ولا أصحابك ، أمّا ما تخوّفنا به من جمع الروم وعددهم وكثرتهم ، وأنّا لا نقوى عليهم فلعمري ما هذا بالذي تخوّفنا
--> ( 1 ) ك : « الدنيا » . ( 2 ) من هنا إلى قوله « وصارت لهم القبط أعوانا كما جاء في الحديث » من ص 95 من هذا الكتاب . قارن بالسيوطى ج 1 ص 112 - 118 وهو ينقل عن ابن عبد الحكم .